ابن الأثير

32

أسد الغابة ( دار الفكر )

أخبرنا يحيى بن محمود بن سعد الأصفهاني ، أخبرنا أبو الطيب طلحة بن أبي منصور الحسين بن أبي الصالحاني ، أخبرنا جدي أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني الواعظ ، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد ابن جعفر أبو الشيخ ، حدثنا محمد بن العباس بن أيوب ، حدثنا عبيد بن إسماعيل الهبارى من كتابه ( ح ) قال أبو الشيخ : وحدثنا إسحاق بن جميل حدثنا سفيان بن وكيع قالا : حدثنا جميع بن عمر العجليّ ، حدثني رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة عن ابن أبي هالة عن الحسن بن علي قال : سألت خالي عن دخول [ ( 1 ) ] النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال : كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا للَّه ، عز وجل ، وجزءا لأهله وجزءا لنفسه ، ثم يجعل جزءه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ، ولا يدخر عنهم شيئا . فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل على قدر فضائلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة عن مسألتهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : « ليبلغ الشاهد الغائب ، وأبلغونى حاجة من لا يقدر على إبلاغي حاجته ؛ فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت اللَّه قدميه يوم القيامة » لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق [ ( 2 ) ] ويخرجون أدلة [ ( 3 ) ] . قال : فسألته عن مخرجه : كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه أو يعنيهم ، ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم ، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل عما في الناس ، يحسّن الحسن ويقوّيه ، ويقبّح القبيح ويوهيه . معتدل الأمر غير مختلف ، لا يميل مخافة أن يغفلوا ويميلوا ، لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . فسألته عن مجلسه فقال : كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر اللَّه عز وجل ، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها [ ( 4 ) ] وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطى كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه ؛ من جالسه أو قاومه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف ، ومن سأله حاجة لم ينصرف إلا بها ، أو بميسور من القول ، قد وسع الناس خلقه فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة وصدق ، لا ترفع فيه

--> [ ( 1 ) ] أي عن دخوله منزله . [ ( 2 ) ] أي لا ينصرفون عنه إلا بعد أن يتذوقوا العلم والأدب . [ ( 3 ) ] هو جمع دليل ، أي : بما قد علموه فيدلون عليه الناس ، يعنى يخرجون من عنده فقهاء . [ ( 4 ) ] أي لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به .